السيد عباس علي الموسوي

295

شرح نهج البلاغة

عن أرض ملكها ، أو مال اكتسبه ، أو شرف رفيع حازه ، أو مقام عال حصل عليه ، بل قد يرضى بالفقر والذل والاستعباد ، ولكنه يرفض أن يتنازل عن حياته . . . يرفض الكثيرون منا الموت لأنه يشكل القتل للحياة ، والقضاء على استمراريتها . وإذا قضي عليها فات كل شيء في الحياة . . . فمن هنا نرى بعض الناس من أصحاب الرسالات يتنازلون عن رسالتهم مقابل أن يمن الطغاة عليهم بالعيش بضعة أيام ولو في بحار الذل وعرق الخزي . . . وهناك بعض آخر يتوقى الكلام في الحق والافصاح عنه ويتنازل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفا من أذية تلحقه وحفظا على نفس يريد لها الحياة . . . إن انتشار الفساد وشيوع الفواحش واستعباد العباد واستعمار البلاد والعباد ، بل قتل الأنبياء والمرسلين والعلماء والصالحين أهون عند بعض الناس من نفس يملكونها ، إنهم يضحون من أجلها بكل هذه المقدسات والشخصيات دون أي حرج أو مرارة . . . إن الإمام هنا يريد أن يوجه هذا الإنسان بقطع النظر عن انتمائه ، وعائلته ، وهويته ، يريد أن يوجهه إلى اللّه ، ويربطه ويقوي علاقته به . . . إنه يريد أن يسكب في وعي هذا الإنسان وفي ضميره وفي وجدانه وعمقه مالكية اللّه المطلق لهذا الإنسان ملكيته التي تستولي على الأحياء كما تستولي على سلب الحياة . . . فاللهّ وحده الذي يملك حق الممات كما يملك حق الحياة . . . ليس للطغاة . . . ولا للجبابرة . . . ولا للفراعنة . . . ولا لكل الناس مجتمعين . . . حق في سلب هذه الحياة كما لم يكن لهم من قبل حق هبتها . . . اللّه تعالى وحده هو الذي بيده الموت والحياة والفناء والإعادة وحده الذي يقول للإنسان مت فيموت ، ويقول إحي فيحيا . . . بكلمة ( كن ) أخصر كلمة ، يمكن أن يتم بها التعبير عن المشيئة المطلقة ، يتم الفناء كما تتم الحياة . . . إن الموت والحياة بيد اللّه وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ( 1 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وَأنَهَُّ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأنَهَُّ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 2 ) قُلِ اللّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 3 ) . وإن اللّه تعالى ينقل إلينا الحوار الذي جرى بين إبراهيم وبين فرعون من فراعنة

--> ( 1 ) سورة ق ، آية - 43 . ( 2 ) سورة النجم ، آية - 44 . ( 3 ) سورة الجاثية ، آية - 26 .